_ 7 _
هل ذكرت لكم أن كل ما هو ضمن قوسين وبالحرف الأسود منقول حرفيا من رسائله؟
لقد تعمد غسان بمطر يافا ، وحين غادرها كان مطرها قد اخترق جلده إلى الأبد وصار من بعض دورته الدموية...وكان النسيان مستحيلا.
وكان غسان منذ البداية يتقن استعمال قلمه وسكينه معا ، ويؤمن بهما معا . كان صغيرا يوم أدخلوا أخته فايزة – وكان يحبها كما يحب وطنه- إلى غرفة العمليات بسبب ولادة عسيرة ، فاقتحم غرفة العمليات:
( رفعت المشرط في وجه المسكين ولسون ، ذلك الاسكتلندي الطيب الذي كان يجد فيّ ما لم أجده أنا في نفسي . إنه يضحك بلا شك حين يذكر القصة. كنت أنا على حق رغم كل شيء ، وقلت له : ليمت الطفل ، ولكن إذا ماتت هي فستموت معها هنا . ورفضت أن أخرج وظللت مثل مجنون فار مثبتا ظهري إلى الزاوية وأنظر إليها مضرجة بالدم تحت أصابعه الباردة وحين تنفس الصعداء بعد قرن من الرعب أخذت أبكي ، وسقط المشرط من يدي .. ولم أرها إلا بعد أن صار أسامة في الرابعة من عمره )
هكذا أرى غسان دائما : رجل قلمه من الناحية الثانية مشرط قاطع ، إنه الرجل الذي لا يحجم عن استعمال السلاح المناسب في الوقت المناسب ، طرف القلم وطرف المشرط ، وبوسعه :
( أن يصنع الحياة بمشرط جارح )
وبعد أن فقد الوطن :
( أحس كم كان فقدانه هولاً تساوت فيه إرادة العيش بشفرة المشرط. إنني لا أنسى حدقتيّ الدكتور ولسون حين كانت تسبح فيهما تلك الكرتان الزرقاوان ، كان رجلا قادرا على الفهم من فرط ما شاهد الناس يموتون ببساطة ، ويتركون العالم بملاجئ أقل ) .
وكان غسان يمتلك الملجأ الأكبر : الوعي بقضية ..بيقين.. بهدف..كان منذ البداية يعرف ( الهدف ) الوطن:
( سأظل أناضل لاسترجاعه لأنه حقي وماضيّ ومستقبلي الوحيد .. لأن لي فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تمطر الخصب... وجذور تستعصي على القلع )
( لقد حاولت منذ البدء أن أستبدل الوطن بالعمل ، ثم بالعائلة ، ثم بالكلمة، ثم بالعنف، ثم بالمرأة ، وكان دائما يعوزني الانتساب الحقيقي. ذلك أن الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح : لك شيء في هذا العالم فقم . أعرفته؟ وكان الاحتيال يتهاوى ، فقد كنت أريد أرضا ثابتة أقف فوقها ، ونحن نستطيع أن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا ، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء )
وكانت تمر لحظات من الألم الشرس في نفس غسان الفنانة المرهفة، وكان يعرف أن درب الانتماء هي ما تبقى له :
( أستطيع أن أكتشف ذلك كله كما يستطيع الجريح في الميدان المتروك أن ينقب في جروحه عن حطام الرصاص ، ومع ذلك فهو يخاف أن ينتزع الشظايا كي لا ينبثق النزيف . إنه يعرف أن الشظية تستطيع أن تكون في فوهة العرق المقطوع مثلما تكون سدادة الزجاجة ويعرف أن تركها هناك ، وحيدا في الميدان ، يوازي انتزاعها. فالنهاية قادمة ، لا محالة .... ولو كان شاعرا فارسا يمتطي صهوة الصحراء الجاهلية لاختار أن يموت رويدا رويدا : يده على كأسه الأخيرة ، وعينيه على النزيف الشريف )
ماذا يفعل بالضبط؟ يمشي نحو ( الهدف ) أي هدف :
( كما يؤمن التقي بالله والصوفي بالغيب )
وهذا النقاء الفذ ، هو مهمازه للوقوف إلى جانب أصدقائه حين يقعون في ورطة. فالشخصية وحدة لا تتجزأ – أو أنها هكذا على الأقل لديه - وبعد حرب حزيران ، ورغم ألمه الفادح للهزيمة ، فإن ذلك لم يلهه عن مد يد المساعدة إلى زميلة عمل مثلي رمت بها الأقدار في لندن – بالأحرى رمت هي بنفسها هناك للدراسة - فطردوها من العمل البيروتي ومن المحبة ، وحكمت بالسجن ثلاثة أشهر لجرم لم تكن تدري أنها ارتكبته قبلها بعامين ( وهو ترك العمل الدمشقي بدون إذن رسمي وهو أمر محظور على حملة الشهادات العالية )
وها هو في رسالة واحدة يحدثني عن ألمه الكبير ولا ينسى المساهمة عمليا في تخفيف ألمي الشخصي :
( ماذا أقول لك ؟ إنني أنضح مرارة , يعصر لساني الغضب مثلما يعصرون البرتقال على الروشة ) ، ( أنا لا أستطيع أن أجلس فأرتق جراحي مثلما يرتق الناس قمصانهم )
لكنه لا ينسى رتق وجعي المادي والعملي المربك ، فينفحني بجواز سفر ينقذني من العودة مرغمة إلى السجن ، ويساهم في إيجاد عمل جديد لي بصيغة كلها فروسية كما لو كان هو بحاجة إلى أن أعمل !
( هام : كان أحمد بهاء الدين عندي اليوم وطلب مني جادا ورسميا أن أكتب لك رجاءه ورجاء مؤسسته – دار الهلال – بأن تكتبي للمصور من لندن رسائل أدبية وفنية وإذا شئت سياسية بأسلوبك . إن المصور مجلة جادة وذات توزيع مرتفع وتدفع أسعارا جيدة – إذا رغبت بذلك ابعثي له رسالة إلى دار الهلال بالقاهرة .. إن ذلك في رأيي مرحلة جيدة ومفيدة ، وسيكون الاتفاق واضحا يحولون لك الفلوس إلى لندن أو يفتحون بها حسابا لك في القاهرة - إنه يهديك تحياته أيضا )
ووصلت الرسالة بعد أن كنت باشرت العمل خارج حقل الصحافة ، وكان القرف يغمرني إثر تجربتي السابقة مع المجلة التي طردتني دونما إنذار، فتابعت عملي بدل أن أكتب للمصور لكن جواز السفر كان طوق نجاة ولمسة حنان أنقذتني من السجن ريثما أعتقني أوائل السبعينات فيما بعد عفو عام شملني .
بهذه الشفافية كان غسان يساعد رفاقه حين يسقطون وبمثل هذه الكلمات كان يشجع رفاق القلم حين يخذلهم العالم
( بوسعك أن تدخلي إلى التاريخ ورأسك إلى الأمام كالرمح . أنت جديرة بذلك )
غسان يحترم المرأة العاملة، ولا يخجل من دعمها علنا . لم يكن ثوريا فصاميا . كان حقيقيا وأصيلا في كل ما يفعله ، وكان الانسجام قائما لا بين فكره والعالم الخارجي فحسب ، بل بين فكره وجسده :
( هل تفهمين ؟ إنني رجل مأساتي هي في ذلك التوافق غير البشري بين جسدي وعقلي ، هكذا قال لي الدكتور ولسون يوما : ولذلك أنت مريض بالسكر يا صديقي )
لكن ذلك التوافق كان يجعل الصداقة وغسان حقيقية وحميمة وشاملة ، وكنا نحبه كما هو داخل إطاره . وكما كان يأسى لمتاعبنا كنا نفرح لركنه العائلي الهادئ حيث يكتب ويرسم ويبدع ، ونشعر أن ولديه فايز وليلى والرائعة آني من أفراد أسرتنا الكبيرة ، نحن الذين يربطنا أننا:
( نتعاون لنضع نصل الصدق الجارح على رقابهم ) رقاب جلادي أسرتنا الكبيرة .