عرض مشاركة واحدة
قديم 05-09-2008, 02:53 AM رقم المشاركة : 15
ابيون
مشــ زاد العقول ــرف

الصورة الرمزية ابيون
 
تاريخ التسجيل : Jan 2008
رقم العضوية : 164
الاقامة : خارج بقعه الظل
الهواية : التشبه بعلامه الاستفهام
مجموع المشاركات : 901
بمعدل : 2.62 مشاركات في اليوم
معدل التقييم : 10

ابيون غير متواجد حالياً

افتراضي رد: رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان


24/1/1967



غادة .. يا حياتي !

كيف تقولين لي ( : لا ألومك ، لك الحق .... في الدفاع عن توقيتك لرحلة صيدانتهت ؟ ) كيف تفكرين لحظة واحدة بأن هذا التعيس الذي ينتظرك كما ينتظروطناً ضائعاً يفعل ذلك ؟ كيف تعتقدين أن ذلك الرجل ، الذي سلخت الشوارعقدميه ، كالمجنون الطريد ، ينسى أو يوقّت أو يدافع عن نفسه أو يهاجم ؟ولكنني أغفر لك ، مثلما فعلت وأفعل وسأظل أفعل . أغفر لك لأنك عندي أكثرمن أنا وأكثر من أي شيء آخر، لأنني ببساطة ( أريدك وأحبك ولا أستطيعتعويضك ) لأنني أبكي كطفل حين تقولين ذلك ، وأحس بدموعي تمطر في أحشائي ،وأعرف أنني أخيرا ًمطوقٌ بك ، بالدفء والشوق وأنني بدونك لا أستحق نفسي !

أنت ، بعد ، لا تريدين أخذي ، تخافين مني أو من نفسك أو من الناس أو منالمستقبل لست أدري ولا يعنيني . ما يعنيني أنك لا تريدين أخذي ، وأنأصابعك قريبة مني ، تحوطني من كل جانب ، كأصابع طفل صغير حول نحلة ملونة : تريدها وتخشاها ولا تطلقها ولا تمسكها ولكنها تنبض معها .. أعرف أعرف حتىالجنون قيمتك عندي ، أعرفها أكثر وأنت غائبة وأمس رأيت عمارات الروشة ،صدقيني ، عارية مثل أشجار سلخها الصقيع في البراري ، تطن عروقها الرفيعةفي وجه السماء كأنها السياط .. بدونك لا شيء . وهذا يحدث معي لأول مرة فيعمري التعيس كله .

لماذا أنت معي هكذا ؟ إنني أفكر بك ليل نهار ، أحياناً أقول أنني سأخلصكمني ويكون قراري مثل قرار الذي يريد أن يقذف نفسه في الهواء ، أحياناًأقول أنني سأتجلد ، أنني ، كما توحين لي أحياناً ، أريد أن أدافع وأهاجموأغير أسلوبي ، أحياناً أراك : أدخل إلى بيتك فوق حطام الباب وأضمّك إلىالأبد بين ذراعي حتى تتكونا من جديد ، عظماً ولحماً ودماً ، بحجم خاصرتك .. ولكنني في أعماقي أعرف أن هذا لن يحدث وأنني حين أراك سأتكوم أمامك مثلقط أليف يرتعش من الخوف .. فلماذا أنت معي هكذا ؟ أنت تعرفين إنني أتعذبوإنني لا أعرف ماذا أريد . تعرفين إنني أغار ، وأحترق وأشتهي وأتعذب . تعرفين إنني حائر وإنني غارق في ألف شوكة برية .. تعرفين .. ورغم ذلك فأنتفوق ذلك كله ، تحولينني أحياناً إلى مجرد تافه آخر ، تصغرين ذلك النبضالقاتل الذي يهزني كالقصبة ، معك وبدونك..
أحياناً تأخذينني على محمل أقل ذكاء مما ينبغي . مَنْ الذي رأيتِه ، أيتهاالغالية ، في الثامنة والنصف من آخر ليلة كنت فيها في بيروت ؟ إنه شيءتافه وصغير ولكن يبدو أنني أحياناً أتوقف لأقتلع من راحة يدي شوكة في حجمنصف دبوس .. ألا تفهمين أن هذا الذي ينبض داخل قميصي هو رجل شرقي خارج منعلبة الظلام ؟ حتماً تعرفين . أنت هائلة في اكتشاف مقتلي لذلك تتهربين منيأحياناً ، لذلك ( لا تقولين ) ولذلك بالذات تقولين !

لنجعل من نفسينا معاً شيئاً أكثر بساطة ويسراً ، لنضع ذراعينا معاً ونصنعمنهما قوساً بسيطاً فوق التعقيدات التي نعيشها وتستنزفنا .. لنحاول ذلكعلى الأقل . أنت عندي أروع من غضبك وحزنك وقطيعتك . أنت عندي شيء يستعصيعلى النسيان ، أنت نبية هذا الظلام الذي أغرقتني أغواره الباردة الموحشةوأنا لا أحبك فقط ولكنني أؤمن بك مثلما كان الفارس الجاهلي يؤمن بكأسالنهاية يشربه وهو ينزف حياته ، بل لأضعه لك كما يلي : أؤمن بك كما يؤمنالأصيل بالوطن والتقي بالله والصوفي بالغيب . لا . كما يؤمن الرجل بالمرأة .

كتبت لك منذ أربعة أيام أو أكثر رسالة ، لم أكن أعرف عنوانك قبل ذلك ،وكتبتها يوم وصلت رسالتك إليّ ، بعد خمسة أيام من وصول رسالتك لعاطف .. وأرسلت لك فيها قصاصات ( يقولون هذه الأيام في بيروت ، وربما أماكن أخرى ،أن علاقتنا هي علاقة من طرف واحد ، وأنني ساقط في الخيبة . قيل في الهورسشو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد . يقال أنك لا تكترثين بي وأنكحاولت أن تتخلصي مني ولكنني كنت ملحاحاً كالعلق . يشفقون علي أماميويسخرون مني ورائي ، ويقرأون لي كما يقرأون نماذج للشاعر المجنون ..ولكنذلك كله يظل تحت ما أشعره حقاً ، فأنا أحبك بهذه البساطة والمواصلة التيلا يمكن فهمها في شارع الحمراء ، ولا على شفاه التافهين

أرى عاطف أحياناً : يمر على مكتبي ونتحدث عنك ولكنه يشعر بالبرد فيذهب إلىبيته ، أما أنا فالبيت أكثر برداً من أن أذهب إليه .. يسألني عن شخص مسافرإلى لندن ، أعتقد أنك طلبت منه أن يرسل شيئاً لك .. إنه في صحة جيدة ويضحكدائماً وموجود في كل مكان ، كما تعرفينه ومنذ أسبوع تقريباً ، ذهبناوشربنا معاً كأساً صامتاً حوالي ساعتين . وأمس ليلاً كان هنا وقال لي أنهسيكتب لك فقلت له : أما أنا فقد فعلت . ضحك وقال : 12 صفحة ؟

منذ ذهبتِ سافرت آني لدمشق ، وحتى الآن لم تعد فالطريق مغلق بالثلوج والجوبارد ولكن سيارتي تتقد دائما وعجلاتها لا تكف عن سلخ الإسفلت ، دونما هدف . الراديو أخرس ما يزال ، والشوفاج فوضى ، والزمور لا يصرخ إلا إذا انعطفتلليسار والسائقون الآخرون مستعجلون كما كنا نراهم دائما لا أفتح لهمالطريق إلا مع شتيمة وليلة أمس غيّرت عجلاً تحت المطر قرب المكان الذيغيرت فيه ذات يوم عجلاً صعباً معك ، وحين انتهيت خيل إلي أن وجهي كانمغسولاً بالدموع لا بالمطر : فقد فتحت باب السيارة وتوقعت أن يسقط رأسكالمتكئ على الباب ، كما حدث ذلك اليوم .

تعالي ، يا أجمل وأذكى وأروع قطة في هذا العالم كله . ألم تشتاقي لماكسوالقرد المدهوش والحطاب الغاضب والعجّانة ؟ ألم تشتاقي لغسان ؟

كنت آسفاً جداً حين كتبت لك عن تلك الألمانية التي نسيت اسمها الآن . خشيتأن تتصوري أنني أمتع نفسي بطريقة أو بأخرى . لا . لقد كانت كأساً باردةلكحول عمياء أمام طاولة رجل طريد . إن الحرية لا يمكن أن تكون شيئاً يأتيمن الخارج ، وأنا الآن طليق إلى أبعد حد ، ولكنني حين ألتفت أسمع أصواتالسلاسل الغليظة تخش وترن في صدري ..

أريد أن أكتب لك ، أن أكتب لك كل لحظة ، ليل نهار : في الشمس التي بدأتتشرق بحياء ، تحت سياط الصقيع ، في الصباح البارد والمساء والعتمة ، فيضياعي وجنوني وموتي .. ( اطمئني : إن صحتي جيدة ، وآخر ثلاثة أيام كنتمريضاً جداً ولكنني لم أنم ، واليوم أتحسن ) لم أكتب شيئاً في روايتي ،أعمل في المحرر كما كان يعمل العبيد العرايا في التجديف ، لدي فكرةلمسرحية سترينها في الأوراق الخاصة لا أعرف متى سأكتبها .. أعرف فقط أننيأنتظرك.

أنتظرك .. أنتظرك .. أنتظرك .. وأفتقدك أكثر مما في توق رجل واحد أن يفتقدامرأة واحدة ، وأحبك ، ولن أترك أبداً سمائي التي تحدثت عنها " تفجر الثلج " ، إنني فخور بآثار خطواتنا ولا أريد لشيء ، حتى السماء ، أن تكنسها .



غسان كنفاني


بيروت " الآن وغداً وإلى الأبد
"





|



لعاطف : عاطف السمرا


الهورس شو : أحد مقاهي الأدباء في الستينات في بيروت


للشاعر المجنون
: كان غسان يكتب نصوصاً وجدانية في زاويته الخاصة بجريدة المحرر ولعلها لم تجمع بعد في كتاب

لماكس والقرد المدهوش والحطاب الغاضب والعجّانة : تماثيل في بيتي كان يطلق
غسان عليها الأسماء ويحاورها وعلى رأسها بومة أسماها ماكس!..

تلك الألمانية التي نسيت اسمها
: نسي أن يكتب لي عنها ونسي أنه نسي
الأوراق الخاصة
: اسم زاوية في جريدة المحرر يومئذ.












التوقيع - ابيون

أنا[عزيزي الزائر، يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط  للتسجيل اضغط هنا] فاليأت الحصار ..وأنا حدود النار فليأتي الحصار
جسدي هو الأسوار فاليأتي الحصار ..وأنا أحاصركم وأنا احاصركم
رد مع اقتباس