بيروت 31/1/1967
عزيزتي غادة ..
وصلتني رسالتاك ، فيهما قصاصات من الأوراق الخاصة .بحركة صغيرة ، شحطةواحدة فوق نهايات الحروف أعدتِ إلى عالمي المعنى والتوهج وجلدني الشوق لكوأسرني ذكاؤك الذي أفتقده بمقدار ما أفتقد كفيك وكتفيك ..
أيتها الشقية الحلوة الرائعة ! ماذا تفعلين بعيداً عني ؟ أقول لك همساً ماقلته اليوم لك على ) صفحات الجريدة : ( سأترك شعري مبتلاً حتى أجففه علىشفتيك ! ) أنني أذوب بالانتظار كقنديل الملح . تعالي !
أحس نحوك هذه الأيام – أعترف – بشهوة لا مثيل لها . إنني أتقد مثل كهفمغلق من الكبريت وأمام عيني تتساقط النساء كأن أعناقهن بترت بحاجبيك . كأنك جعلت منهن رزمة من السقط محزومة بجدولتك الغاضبة الطفلة .. لا .. ليسثمة إلا أنت . ( إلى أبدي وأبدك وأبدهم جميعاً ) .. وسأظل أضبط خطواتيورائك حتى لو كنتِ هواءً .. أتسمعين أيتها الشقية الرائعة ؟ حتى لو كنتِهواءً ! ولكنني أريدك أكثر من الهواء . أريدك أرضاً وعَلَماً وليلاً .. أريدك أكثر من ذلك . وأنتِ ؟
ليس لدينا أخبار كثيرة هنا . آني عادت فجأة . أرى عاطف و كمال غالباً وأمسسهرت مع آرتين ومع فواجعه و " بوزاته " .. عاطف جاء أمس ودخل إلى المكتبغاضبا وتشاجر مع كمال لأنه لم يره منذ فترة ثم سألني : أين كنت يوم السبت؟ غادة أرسلت شخصاً وفتشت عليك في المكتب والبيت طوال الليل والنهار ! ياعاطف العزيز كنت في البيت وفي المكتب ! لا . نعم . وانتهى الأمر هنا . غداً صباحاً سأسافر إلى القاهرة لحضور مؤتمر الصحفيين العرب وسأعودالاثنين أو الأحد .. هل سأجدك هنا ؟ سيكون عنواني هناك : ( بواسطة مروانكنفاني ، جامعة الدول العربية ، قسم فلسطين ) . اكتبي لي ، فقد يكون المطرغزيراً هناك ، أحتاج إلى حروفك لأفرش أمامها راحتيّ التواقتين لك !
بلى . خبر مهم : أحدهم وزع خبراً على الصحف يوم الجمعة الماضي : " سيتم فيجو عائلي ، خلال الأسبوع القادم ، زفاف الزميل غسان كنفاني على الأديبةالمبدعة غادة السمان .. " المحررون في الصحف عرفوا فرموا الخبر . في آخرلحظة اتصل بي زميل من صحيفة ما يريد أن يبارك لي ويعاتبني على عدم إخباره .. ثم أخذ يركض إلى المطبعة فشال السطرين الهائلين عن الطابعة .. مرتالعاصفة وأنا غير مكترث .. لم تكن غلطة الذي دس الخبر ولكن غلطة السنواتالخمس التي مرت ، لا شيء . مزيداً من الذين يقولون : سيتعب ذات يوم من لعقحذائها . مسافر من دمشق جاء ليقول لي أن دمشق تتحدث عنكِ ، حسناً ، وعني . قال إن الأوراق الخاصة تظهر أنك معذب ومهزوم وتصطدم بالزجاج كأنك ريحصغيرة . ثم نظر إلي وأنا صامت وأبلغني : حرام.
اكتبي لي .. لماذا لا تكتبين ؟ لماذا ؟ لماذا أيتها الشقية الحلوة ؟ أتخافين مني أم من نفسك أم من صدق حروفك ؟ اكتبي
غسان
|
الأوراق الخاصة .. صفحات الجريدة : كان يكتب رسائل وجدانية في زاويته "أوراق خاصة" ويرسلها إلي في لندن فكتبت له مرة رسالة على هامش رسالته
عاطف :عاطف السمرا
كمال : كمال طعمة
آرتين : يقصد كمال طعمة وهو صديق حميم لنا أيضاً وكان يحلو لغسان أن يلقبه مداعباً بأرتين الأسمر !
الأوراق الخاصة : أوراق خاصة : عنوان زاوية في المحرر ربما لم تجمع بعد كتاباته فيها بين حوالي 1964 -1967
هذه العبارة سطرها على مظروف الرسالة من الخارج تاريخها 1/2/1967
أدهشني حين وصلت إلى القاهرة أنني لم أجد رجلاً ينتظرني هناك ويقول : هذه رسالة لك يا سيدي من لندن..
يذهلني أنني حين أرفع سماعة الهاتف في هذه الغرفة العالية لم أسمع على الطرف صوتك ..
أقول لك : يخيفني أن أرفع رأسي الآن ، عن هذه الرسالة ، فلا أجدك جالسة في المقعد المقابل
وحمل لي الرسالة يومئذٍ من القاهرة المرحوم سليم اللوزي " وكان غسان يكتبفي الحوادث أحياناً باسم مستعار هو ربيع مطر " وقد اختار اللوزي اسم ربيعلأنه اسم ابنه الوحيد الذي مات صغيراً وبعد غسان كتب آخرون بالاسمالمستعار نفسه ، ولا أظن أن كتاباته هذه تم جمعها . وأحب أن ألفت إليهاأنظار طلاب الجامعات عسى أن يهتم أحد بجمعها في أطروحات جامعية كما أحب أنأذكر بكتابات غسان في جريدة المحرر البيروتية في زاوية أوراق خاصة في فترةعمله هناك إلى جانب كتابات كنفاني آخر الستينات في ملحق جريدة الأنوارالذي كان يرأس تحريره وهي كتابات بعضها باسمه وبعضها الآخر باسم مستعار هوفارس فارس