عرض مشاركة واحدة
قديم 12-09-2008, 11:17 PM رقم المشاركة : 22
ابيون
مشــ زاد العقول ــرف

الصورة الرمزية ابيون
 
تاريخ التسجيل : Jan 2008
رقم العضوية : 164
الاقامة : خارج بقعه الظل
الهواية : التشبه بعلامه الاستفهام
مجموع المشاركات : 901
بمعدل : 2.61 مشاركات في اليوم
معدل التقييم : 10

ابيون غير متواجد حالياً

افتراضي رد: رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان




8 / 1968



عزيزتي غادة..

في نفس اليوم الذي تلقيت فيه رسالتك كنت قد أخذت عنوانك من سليم وعزمت علىالكتابة لك مطولاً ، ولكن حين قرأت اسم كريس في العنوان انتابني شيء غامض، واكتفيت بأن أكتب لك ، عن عنواني .

نزلت عليّ رسالتك كما المطر على أرض اعتصرها اليباس . مثلك لا شيء . مكانكلا يملأ ، كلماتك وحدها التي لها صوت يغطس إلى أعماقي . أراك دائماً أمامي، أشتاقك ، أعذب نفسي بأن أحاول نسيانك فأغرسك أكثر في تربة صارت كالحقولالتي يزرعون فيها الحشيش : لا تقبل زرعاً غيره إلا " عباد الشمس " ، وأنالن أنهي حياتي عباداً للشمس . أقول لك : إنني أشتهيك ، ولا أستحي لأنك صرتالشيء الوحيد الذي أخفق له . هل سأراك حين تعودين ؟ أم تفضلين الكفر بتلكالساعات التي جبلت في لحمنا حتى القرار ؟

مأساتي ( ومأساتك ) إنني أحبك بصورة أكبر من أن أخفيها وأعمق من أنتطمريها . أتراك في نفس المكان ؟ إذاً يا للمأساة التي لن تنتهي ! أقول لك : تعالي ، ودعينا نهدم الجدران جميعاً ، إن حياتنا أصغر من أن نهدرها فيالشطارة . أعترف !

وها أنذا متروك هنا ،كشيء!

كيف تركتك تذهبين ؟

كيف لم تطبق كفاي عليك مثلما يطبق شراع في بحر التيه على حفنة ريح ؟

كيف لم أذوبك في حبري ؟كيف لم أجعل من لهاثينا معاً زورقنا الواحد إلى نبض الحياة الحقيقي ؟

كيف ذهبت دون أن أحس بك ؟ كيف مرت عيناك في عمري دون أن تتركا على وجهيبصماتهما ؟ كيف لم أتمسك بك ؟ كيف تركتك ــ يا هوائي وخبزي ونهاري الضحوكــ تمضين ؟

أيتها المرأة الطليقة ، يا من قبلك لم أكن وبعدك لست إلا العبث ، من بحرعينيك سقيت ضياعي جرعة الماء التي كانت دائماً سراباً ، وفوق راحتيكتعرفتُ إلى مرساتي ووسادتي وليلي .

يا طليقة ! أيتها المرأة التي مثلك لا يرى ، أيها الشعر الذي رف تحت جفنيمثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح ، أيتها العينان اللتان تمطران خبزالقلب وملح السهوب الجديبة ، يا طليقة : كيف انخلعت هكذا عني ؟ كيف شلتمرساتك من عشبي وتركت بحري ؟ بعدِك ليس إلا الخواء ، دونك لست إلا قطرةمطر ضائعة في سيل .

عشت معك حقيقة عمري . ضعت فيك إلى حد لم أصدق أنه قد تمضين ، كان ذلك مثلالمستحيل ، ولكنك ــ ذات صباح ــ غبتِ ، كما لو أن شروقك في جبيني لم يكن !

وورقة على حافة الفجيعة:

"
غادرت لتوك ، وما زلت أحسك بين ذراعي . راقبت المصعد يهبط ، الضوء ينطفئ، خطواتك تختفي . وغداً سأراك لأودعك ، ولكن ذلك سيكون مرعباً ، إلا إذاتصرفنا بحذاقة غير إنسانية .. هل أقول لك : إلى اللقاء ؟ إنها كلمة ليستشخصية بصورة كافية ، تبدو وكأن شخصاً ما قد استعملها قبل لحظة وتركهامرمية هناك . الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوله " ..
أيتها الطليقة..

ذلك كله عبث . الكلمات كلها علكت من قبل أناس آخرين ، ولكن وقع يدكِ علىجبيني كان دائماً ولادة لشيء رائع ومتوهج ، مثل ومضة لهب ، كان دائماًشيئاً خاصاً وشخصياً ولا يعوض .

الكلمات عبث أيتها السحابة التي أمطرت على جفافي موسماً من الخصب ، ولكنفي عينيك كانت توجد دائماً الكلمة الجديدة البكر التي لم تصدأ من كثرة ماتناقلتها الشفاه . كانت تولد في قبضة الصمت نبضاً عبقرياً يلتمع بالدهشة .

الكلمات عبث ، وأنت كنت دائماً لغتي التي لا يفهمها أحد ، وراء التعويذاتالتي اخترعها أجدادنا وسموها حروفاً وأصواتاً ، لقد كان شعركِ مطري ،وراحتك وسادتي ، وذراعك جسري ، وعيناك بحري ، وشفتاك كأسي . كان انتظاركعمري ، وحضورك ولادتي وغيابك ضياعي .. وها أنت تذهبين مثلما تعبر ريحالصباح شباكاً مهجوراً : تحييه لحظة ، ثم تعيده إلى الغيب ..

كيف تركتك تذهبين ؟ ما الذي سأفعله بعدك ؟ أي أرض ستخصب بعدك ؟ وأي شباك سيدخل إلى جفافي ويباسي ريح الصبح ؟

سأعلك الندم عمري . ندمك وندمي . لقد نسفنا بأيدينا الشجرة الوحيدة التيصادفناها في رحلة عمرينا ، ولم يبق أمامنا إلا أن نكمل الشوط في قيظالوحدة التي لا ترحم . أنت وأنا اعتقدنا أن في العمر متسعاً لسعادة أخرى ،ولكننا مخطئون ، المرأة توجد مرة واحدة في عمر الرجل ، وكذلك الرجل في عمرالمرأة ، وعدا ذلك ليس إلا محاولات التعويض ، بذل النسيان والندم راقة فوقراقة .

إن أسعدنا هو أبرعنا في التزوير ، أكثرنا قدرة على الغوص في بحر الأقنعة . ننسى ؟ ذلك مستحيل ، وأنا ــ أيضاً ــ لا أريد أن أنسى . ليس بوسعي أنأطمر الزهرة الوحيدة في عمري هكذا ، لمجرد أنك ذهبت ، وأن أملي في أنألقاك هو مثل أملي في أن ألقى طفولتي .

فيا أيتها الطليقة التي حملها جناحاها إلى أرض لا أعرفها ، والتي كان عليمنذ البدء أن أعرف بأنها ، مثل العصافير، ستضرب في فراغ السماء وجاذبيةالمدى الذي لا يحده حد ، لست أطمع منك بالعودة . لقد رف جناحاك في زنزانتيوتركا في هوائها الساكن شيئاً يشبه خفق القلب ، زرعا في صمتها خفقة طليقةوتركاها تغطس في وحدتها المرة .

لست أطمع منك بالعودة ،فالعصافير لا تسكن أعشاشها مرتين ، وحين نفضت عن ريشك كسل القرار عرفت أنا أنك لن تعودي..

ولكن كيف تركتك تذهبين ؟كيف لم أربط نفسي إليك مثلما ربط السندباد نفسه إلى ريش الرخ ؟

ليس عندي ، أيتها الطليقة ، يا خبزي ومائي وهوائي ، إلا الندم ، وبعيداً في قراره توجد بذرة للشجرة القادمة
بلى .

سأراك مرة أخرى ، ذات يوم . ترانا ــ يومذاك ــ سنكسر من حول جلودنايراقات النسيان التي سنبنيها فوق اللحظات النادرة في حياتنا ، كي لا نظلصرعى الخذلان ؟

إن العمر خديعة ، يا طليقة ، وإلا كيف يمكن أن يكون عمري معك عمراً وعمريدونك عمراً أيضاً ، وكيف يمكن – بعد هذين العمرين – أن أراك مرة أخرىوتكونين أنت وأكون أنا ؟ لماذا لا ؟

ماذا أقول لك ؟ إن النسيان هو أحسن دواء اخترعه البشر في رحلتهم المريرة ،ومع ذلك فأنا لن أنساك . أنت تخفقين في رأسي مثل جناحي عصفور طليق ، أمامبصري ينتثر ريش الطائر الذي حط وطار ، مثل لمح البصر ..

وها أنذا ، متروك هنا كشيء ، على رصيف انتظار طويل ، يخفق في بدني توقلأراك ، وندم لأنني تركتك تذهبين . أشرع كفيّ اللتين لم تعرفا منذ تركت ،غير الظمأ .

وأقول : تعالي ..



|


سليم : سليم اللوزي

كريس : كرستوفر ، صديق بريطاني من أصدقائي في لندن ، وكنت مشردة تلك الفترة فتكرم بإعارتي عنوانه البريدي


وهاأنذا متروك هنا ، كشيء ! ... : هذه الرسالةنشر غسان بعضها في ملحق الأنوار الأسبوعي الذي كان يرأس تحريره ، وكتببعضها الآخر بخط يده على هامش الجزء المنشور . وفي تونس ، كتب الأستاذ عبدالرحمن مجيد الربيعي في جريدة الصدى بتاريخ 23/9/1990 يقول : أحب أن أذكرأن المرحوم غسان كنفاني عمل في أواخر الستينات رئيساً لتحرير الملحقالأسبوعي لجريدة الأنوار اللبنانية وكان يكتب صفحة أسبوعية فيها . صفحة لايحلل الوضع السياسي العربي أو العالمي بل يكتب عن خفق قلبه ووجدانه وكلأصدقائه كانوا يعرفون أن تلك الصفحات كانت لغادة وعنها ، فلماذا لا تنشرفي كتاب أيضاً سيما وأن هناك لجنة مهتمة بنشر تراثه كاملاً ؟ كما كان غسانيكتب زاوية لنقد الكتب الجديدة ويوقعها باسم فارس فارس ، هذه الكتابات لمتر النور كذلك ويجب أن يحصل لها ذلك .




صباح يوم 28 / 12/ 1966 أيقظني قرع على الباب . كان غسان واقفاً منهكا ، وغاضباً ، وناولني هذه الرسالة قائلاً : إنها لك . كتبتها لكِ ، ولكنني خاطبت أختي فايزة فيها لغضبي منك . وتركها بين يدي ومضى .. وكانت رسالة بدأ كتابتها في الليلة السابقة ، ليل 27 /12/1966 وختمها برسالة أخرى بعد طلوع فجر 28/12/1966 .

صعقني ما ورد فيها فقد كنت ليلتها بحاجة إلى أن أخلو إلى نفسي بعد سهرة مع بعض الأصدقاء ولم يخطر ببالي أن ذلك سيزلزل غسان إلى هذا المدى .. أم تراه خطر ببالي وتعمدته في اللاوعي ؟ أم تراني كنت أريده حقاً أن يقضي سهرته مع أسرته ولذا اقترحت عليه الذهاب مبكراً إلى هناك ووعدته بأن أهتف له لأضمن ذهابه مما أثار شكوكه ؟ هل تعمدت إثارة شكه ؟ ما زلت حتى اليوم لا أدري ، ولكنني أذكر جيداً أنني كنت دائماً حريصة على كيانه العائلي بقدر حرصي على استقلالية كياني.















التوقيع - ابيون

أنا[عزيزي الزائر، يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط  للتسجيل اضغط هنا] فاليأت الحصار ..وأنا حدود النار فليأتي الحصار
جسدي هو الأسوار فاليأتي الحصار ..وأنا أحاصركم وأنا احاصركم
رد مع اقتباس