عرض مشاركة واحدة
قديم 16-09-2008, 01:16 AM رقم المشاركة : 24
ابيون
مشــ زاد العقول ــرف

الصورة الرمزية ابيون
 
تاريخ التسجيل : Jan 2008
رقم العضوية : 164
الاقامة : خارج بقعه الظل
الهواية : التشبه بعلامه الاستفهام
مجموع المشاركات : 901
بمعدل : 2.61 مشاركات في اليوم
معدل التقييم : 10

ابيون غير متواجد حالياً

افتراضي رد: رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان


28/12/1966


الشمس ستشرق بعد قليل ، ولتوي تلقيت هاتفاً منها .. كنت أنتظرها طوال الليل وكنت أعرف أنني لو أردت أن أجدها لوجدتها ولكنني كأنما دون إرادة مني كنت أريد أن أرى مدى اهتمامها هي . لا خبر ، لا إشارة . لا شيء . قالتلي في الصباح أنها ستأوي إلى فراشها في العاشرة ولذلك " اذهب لبيتك باكراًاليوم " .. ولكن حتى منتصف الليل لم تكن هناك ، ولا في الواحدة ، ولا في الثانية ، ولا في الثالثة .. ثم هتفت لها فأبلغتني أنها كانت تشرب نبيذاً، وأنها كانت تسهر مع صديق .. وسألتني : لماذا تأخرت ؟

كانت تحسب أنني أحدثها من البيت ولكنني لم أكن هناك . كنت على بعد صرخة واحدة منها . كنت سألت في البيت عما إذا كان أحد قد هتف فقيل لي أن جرس الهاتف دق مرة أو مرتين دون جواب فهتفت لها ، وهذا – يا فائزة ــ ما كانت تريد أن تقوله ! هل تتصورين ؟ كانت تجهد لتنال أذني كي تصب فيهما اللعنة .. ترى ما الذي يذّكر هذه الإنسانة بي ، إلا الذل ؟

ما الذي حدث هذه الليلة ؟ إنني مجنون . هذا شيء حقيقي : حين كتبت لك الصفحات السابقة كنت ، أيضاً ، على بعد خطوات منها ، في المقهى المجاور وسيارتي إلى جانب سيارتها ، ومثلما حدث وتوقعت لم تكترث ، وذهبت ، وكنت أشرب كأساً مع كل صفحة حتى صار الليل وفتك الكحول بكتفي فلم يعد بوسعي أن أحرك ذراعي وقدت السيارة في المطر والغبش والذهول بهدوء لم يكن عندي في حياتي ، وقررت أن لا أرى أحداً .. لم أفكر بالموت ، فكرت بالتعاسة فقط وعرفت أنني سأكون تعيساً إلى أمد طويل . إنني أحبها وهذا شيء لا أستطيع أن أنكره ولا أن أنساه ولا حتى أن أغفره لنفسي ، وحين لمست أصابعي جسدها ذات ليلة راودني شعور مخيف ، أخافني حقاً ، بأنني لم ألمس امرأة من قبل .

وها أنذا مكسور ومطعون وبعيد عن كل شيء ، غداً لن يكون يوماً آخر .. وأنا أعرف أنني أحتاج أن أكون وحيداً تماماً ربما ثلاثة شهور، أظل أكتب في هذه الأوراق لك ، يوماً بعد الآخر، لتري بعينيك قصة رجل ينتهي ، أو يبدأ ، أوينزلق ، أو يغترب ، أو يموت بالصدفة بعد ذلك كله .

وما الذي بقي لأفعله أيتها العزيزة ؟ ما الذي بقي ؟ بعد قليل سأشرب قهوةأخرى ، وأحتاج لكأس حليب كي يظل صدري قادراً على التنفس .. وسأمشي ،ولكنني لن أرى أحداً .. وسأضع نفسي في مكان أبعد وأنأى من أن أسمع فيه صوتها وأكثر انخفاضاً من أن يتيح لي رؤيتها أو التحدث إليها.

أجلس الآن في الشمس وأكتب . مررت من أمام بيتها عشر مرات ورأيت سيارتها ووقفت على حاجز الروشة أتفرج على الناس والأطفال والموج وأنا أكاد أغفوعلى الحاجز . لأول مرة منذ سنوات نسيت الإبرة اللعينة ونسيت الطعام .. تراها سألت عني ؟ ذلك لن يكون إلا إذا كانت تريد أن تراني معذباً ، أوتريد أن تنصحني تلك النصيحة التافهة : اذهب إلى بيتك باكراً .. أو تقول لي : لماذا تغار ؟ بعيدة عن الحقيقة بعيدة بعيدة .. ستجد ألف عذر لترضي هذاالطفل القنوع الغبي ، وكالعادة لن يكون بوسعي أن أقول لها : لا ، وأمس ليلاً ماذا حدث ؟ ماذا يمكن أن يكون قد حدث غير أنها كانت فخورة بأنها قادرة على الخروج مع شاب آخر ، أو مع نفسها ، وأنا أنتظر ؟

وما الذي أريده .. ما الذي أريده من كل شيء يا فائزة ؟ ما الذي يريده هذا الطفل المدلل الضائع الغبي الذي تحول إلى كرة متشابكة من الأعصاب والجروح .


غسان


|



وراحت جاكلين وراحت منى وراحت كوكب : أتمنى على جاكلين ومنى وكوكب عدم تمزيق رسائل غسان إن كتب لهن ذات يوم لأن تلك السطور لم تعد رسائل شخصية تخص تاريخهن بل تخص تاريخ الأدب


قابلتها أول مرة : التقينا للمرة الأولى في جامعة دمشق أمام باب قاعةالامتحانات الشفهي ولم أكن قد سمعت به أديباً يومئذٍ . بعد أيام الجامعةلم نلتق فترة أربعة أعوام حتى التقينا مصادفة في جريدة المحرر ببيروت ،وكان غسان مصراً على إلغاء تلك الأعوام من حياته وحياتي


...... .................................................. .......................... :
هذا السطر المشطوب ألغاه غسان بنفسه ، وكانت الرسالة هكذا عندما استلمتها ، وحاولت كثيراً قراءته وفشلت












التوقيع - ابيون

أنا[عزيزي الزائر، يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط  للتسجيل اضغط هنا] فاليأت الحصار ..وأنا حدود النار فليأتي الحصار
جسدي هو الأسوار فاليأتي الحصار ..وأنا أحاصركم وأنا احاصركم
رد مع اقتباس