![]() |
| |||||||
| زَادُ العُقُولِ :: أفقٌ مِنْ غِمامِ و ورقْ .. مِن أعماقه تُشْرِقْ الفِكْرِةْ :: |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | رقم المشاركة : 21 | |||||||||
| بطاقة بريدية من السودان 17 مارس 1968 الأخت غادة السمان مجلة الحوادث بيروت لبنان رغم كل القيظ الذي هنا أردد دائماً : شو هالبرد ! لا ينقصني إلا 3 كيلو منالوزن أنتظرها كما ينتظر العطشان .. أذكرك ، واخترت هذه البطاقة بدقةلأنني أعرف كم تحبين الموسيقا وكم أغتاظ منها .... تحياتي لكم جميعا.. غسان | شو هالبرد : العبارة التي سبق أن كتبتها له في بطاقة بريدية . 3 كيلو من الوزن : كان يريدني أن أضيف 3كيلو غرام إلى وزني خوفاً على صحتي ،وحتى اليوم لم أفعل ! .. تعقيب .. البطاقة البريدية يظهر عليها موسيقي سوداني وبيده آلة موسيقية لعلها الكمان .. وتبدو من خلفه آثار أحراش وأشجار
| |||||||||
|
| | رقم المشاركة : 22 | |||||||||
| 8 / 1968 عزيزتي غادة.. في نفس اليوم الذي تلقيت فيه رسالتك كنت قد أخذت عنوانك من سليم وعزمت علىالكتابة لك مطولاً ، ولكن حين قرأت اسم كريس في العنوان انتابني شيء غامض، واكتفيت بأن أكتب لك ، عن عنواني . نزلت عليّ رسالتك كما المطر على أرض اعتصرها اليباس . مثلك لا شيء . مكانكلا يملأ ، كلماتك وحدها التي لها صوت يغطس إلى أعماقي . أراك دائماً أمامي، أشتاقك ، أعذب نفسي بأن أحاول نسيانك فأغرسك أكثر في تربة صارت كالحقولالتي يزرعون فيها الحشيش : لا تقبل زرعاً غيره إلا " عباد الشمس " ، وأنالن أنهي حياتي عباداً للشمس . أقول لك : إنني أشتهيك ، ولا أستحي لأنك صرتالشيء الوحيد الذي أخفق له . هل سأراك حين تعودين ؟ أم تفضلين الكفر بتلكالساعات التي جبلت في لحمنا حتى القرار ؟ مأساتي ( ومأساتك ) إنني أحبك بصورة أكبر من أن أخفيها وأعمق من أنتطمريها . أتراك في نفس المكان ؟ إذاً يا للمأساة التي لن تنتهي ! أقول لك : تعالي ، ودعينا نهدم الجدران جميعاً ، إن حياتنا أصغر من أن نهدرها فيالشطارة . أعترف ! وها أنذا متروك هنا ،كشيء! كيف تركتك تذهبين ؟ كيف لم تطبق كفاي عليك مثلما يطبق شراع في بحر التيه على حفنة ريح ؟ كيف لم أذوبك في حبري ؟كيف لم أجعل من لهاثينا معاً زورقنا الواحد إلى نبض الحياة الحقيقي ؟ كيف ذهبت دون أن أحس بك ؟ كيف مرت عيناك في عمري دون أن تتركا على وجهيبصماتهما ؟ كيف لم أتمسك بك ؟ كيف تركتك ــ يا هوائي وخبزي ونهاري الضحوكــ تمضين ؟ أيتها المرأة الطليقة ، يا من قبلك لم أكن وبعدك لست إلا العبث ، من بحرعينيك سقيت ضياعي جرعة الماء التي كانت دائماً سراباً ، وفوق راحتيكتعرفتُ إلى مرساتي ووسادتي وليلي . يا طليقة ! أيتها المرأة التي مثلك لا يرى ، أيها الشعر الذي رف تحت جفنيمثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح ، أيتها العينان اللتان تمطران خبزالقلب وملح السهوب الجديبة ، يا طليقة : كيف انخلعت هكذا عني ؟ كيف شلتمرساتك من عشبي وتركت بحري ؟ بعدِك ليس إلا الخواء ، دونك لست إلا قطرةمطر ضائعة في سيل . عشت معك حقيقة عمري . ضعت فيك إلى حد لم أصدق أنه قد تمضين ، كان ذلك مثلالمستحيل ، ولكنك ــ ذات صباح ــ غبتِ ، كما لو أن شروقك في جبيني لم يكن ! وورقة على حافة الفجيعة: " غادرت لتوك ، وما زلت أحسك بين ذراعي . راقبت المصعد يهبط ، الضوء ينطفئ، خطواتك تختفي . وغداً سأراك لأودعك ، ولكن ذلك سيكون مرعباً ، إلا إذاتصرفنا بحذاقة غير إنسانية .. هل أقول لك : إلى اللقاء ؟ إنها كلمة ليستشخصية بصورة كافية ، تبدو وكأن شخصاً ما قد استعملها قبل لحظة وتركهامرمية هناك . الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوله " .. أيتها الطليقة.. ذلك كله عبث . الكلمات كلها علكت من قبل أناس آخرين ، ولكن وقع يدكِ علىجبيني كان دائماً ولادة لشيء رائع ومتوهج ، مثل ومضة لهب ، كان دائماًشيئاً خاصاً وشخصياً ولا يعوض . الكلمات عبث أيتها السحابة التي أمطرت على جفافي موسماً من الخصب ، ولكنفي عينيك كانت توجد دائماً الكلمة الجديدة البكر التي لم تصدأ من كثرة ماتناقلتها الشفاه . كانت تولد في قبضة الصمت نبضاً عبقرياً يلتمع بالدهشة . الكلمات عبث ، وأنت كنت دائماً لغتي التي لا يفهمها أحد ، وراء التعويذاتالتي اخترعها أجدادنا وسموها حروفاً وأصواتاً ، لقد كان شعركِ مطري ،وراحتك وسادتي ، وذراعك جسري ، وعيناك بحري ، وشفتاك كأسي . كان انتظاركعمري ، وحضورك ولادتي وغيابك ضياعي .. وها أنت تذهبين مثلما تعبر ريحالصباح شباكاً مهجوراً : تحييه لحظة ، ثم تعيده إلى الغيب .. كيف تركتك تذهبين ؟ ما الذي سأفعله بعدك ؟ أي أرض ستخصب بعدك ؟ وأي شباك سيدخل إلى جفافي ويباسي ريح الصبح ؟ سأعلك الندم عمري . ندمك وندمي . لقد نسفنا بأيدينا الشجرة الوحيدة التيصادفناها في رحلة عمرينا ، ولم يبق أمامنا إلا أن نكمل الشوط في قيظالوحدة التي لا ترحم . أنت وأنا اعتقدنا أن في العمر متسعاً لسعادة أخرى ،ولكننا مخطئون ، المرأة توجد مرة واحدة في عمر الرجل ، وكذلك الرجل في عمرالمرأة ، وعدا ذلك ليس إلا محاولات التعويض ، بذل النسيان والندم راقة فوقراقة . إن أسعدنا هو أبرعنا في التزوير ، أكثرنا قدرة على الغوص في بحر الأقنعة . ننسى ؟ ذلك مستحيل ، وأنا ــ أيضاً ــ لا أريد أن أنسى . ليس بوسعي أنأطمر الزهرة الوحيدة في عمري هكذا ، لمجرد أنك ذهبت ، وأن أملي في أنألقاك هو مثل أملي في أن ألقى طفولتي . فيا أيتها الطليقة التي حملها جناحاها إلى أرض لا أعرفها ، والتي كان عليمنذ البدء أن أعرف بأنها ، مثل العصافير، ستضرب في فراغ السماء وجاذبيةالمدى الذي لا يحده حد ، لست أطمع منك بالعودة . لقد رف جناحاك في زنزانتيوتركا في هوائها الساكن شيئاً يشبه خفق القلب ، زرعا في صمتها خفقة طليقةوتركاها تغطس في وحدتها المرة . لست أطمع منك بالعودة ،فالعصافير لا تسكن أعشاشها مرتين ، وحين نفضت عن ريشك كسل القرار عرفت أنا أنك لن تعودي.. ولكن كيف تركتك تذهبين ؟كيف لم أربط نفسي إليك مثلما ربط السندباد نفسه إلى ريش الرخ ؟ ليس عندي ، أيتها الطليقة ، يا خبزي ومائي وهوائي ، إلا الندم ، وبعيداً في قراره توجد بذرة للشجرة القادمة بلى . سأراك مرة أخرى ، ذات يوم . ترانا ــ يومذاك ــ سنكسر من حول جلودنايراقات النسيان التي سنبنيها فوق اللحظات النادرة في حياتنا ، كي لا نظلصرعى الخذلان ؟ إن العمر خديعة ، يا طليقة ، وإلا كيف يمكن أن يكون عمري معك عمراً وعمريدونك عمراً أيضاً ، وكيف يمكن – بعد هذين العمرين – أن أراك مرة أخرىوتكونين أنت وأكون أنا ؟ لماذا لا ؟ ماذا أقول لك ؟ إن النسيان هو أحسن دواء اخترعه البشر في رحلتهم المريرة ،ومع ذلك فأنا لن أنساك . أنت تخفقين في رأسي مثل جناحي عصفور طليق ، أمامبصري ينتثر ريش الطائر الذي حط وطار ، مثل لمح البصر .. وها أنذا ، متروك هنا كشيء ، على رصيف انتظار طويل ، يخفق في بدني توقلأراك ، وندم لأنني تركتك تذهبين . أشرع كفيّ اللتين لم تعرفا منذ تركت ،غير الظمأ . وأقول : تعالي .. | سليم : سليم اللوزي كريس : كرستوفر ، صديق بريطاني من أصدقائي في لندن ، وكنت مشردة تلك الفترة فتكرم بإعارتي عنوانه البريدي وهاأنذا متروك هنا ، كشيء ! ... : هذه الرسالةنشر غسان بعضها في ملحق الأنوار الأسبوعي الذي كان يرأس تحريره ، وكتببعضها الآخر بخط يده على هامش الجزء المنشور . وفي تونس ، كتب الأستاذ عبدالرحمن مجيد الربيعي في جريدة الصدى بتاريخ 23/9/1990 يقول : أحب أن أذكرأن المرحوم غسان كنفاني عمل في أواخر الستينات رئيساً لتحرير الملحقالأسبوعي لجريدة الأنوار اللبنانية وكان يكتب صفحة أسبوعية فيها . صفحة لايحلل الوضع السياسي العربي أو العالمي بل يكتب عن خفق قلبه ووجدانه وكلأصدقائه كانوا يعرفون أن تلك الصفحات كانت لغادة وعنها ، فلماذا لا تنشرفي كتاب أيضاً سيما وأن هناك لجنة مهتمة بنشر تراثه كاملاً ؟ كما كان غسانيكتب زاوية لنقد الكتب الجديدة ويوقعها باسم فارس فارس ، هذه الكتابات لمتر النور كذلك ويجب أن يحصل لها ذلك . صباح يوم 28 / 12/ 1966 أيقظني قرع على الباب . كان غسان واقفاً منهكا ، وغاضباً ، وناولني هذه الرسالة قائلاً : إنها لك . كتبتها لكِ ، ولكنني خاطبت أختي فايزة فيها لغضبي منك . وتركها بين يدي ومضى .. وكانت رسالة بدأ كتابتها في الليلة السابقة ، ليل 27 /12/1966 وختمها برسالة أخرى بعد طلوع فجر 28/12/1966 . صعقني ما ورد فيها فقد كنت ليلتها بحاجة إلى أن أخلو إلى نفسي بعد سهرة مع بعض الأصدقاء ولم يخطر ببالي أن ذلك سيزلزل غسان إلى هذا المدى .. أم تراه خطر ببالي وتعمدته في اللاوعي ؟ أم تراني كنت أريده حقاً أن يقضي سهرته مع أسرته ولذا اقترحت عليه الذهاب مبكراً إلى هناك ووعدته بأن أهتف له لأضمن ذهابه مما أثار شكوكه ؟ هل تعمدت إثارة شكه ؟ ما زلت حتى اليوم لا أدري ، ولكنني أذكر جيداً أنني كنت دائماً حريصة على كيانه العائلي بقدر حرصي على استقلالية كياني.
| |||||||||
|
| | رقم المشاركة : 23 | |||||||||
| بيروت 27/12/1966 عزيزتي فائزة .. إنني أغيب عنك سنوات ولكنني أعود ، أنبع فجأة ، وأنت تقولين لنفسك : ها هوالطفل يعود . كنتِ فيما سبق تغضبين وتحزنين وتقولين إنك تفتقدينني ولكنك استسلمت أخيراً لذلك الطفل الغريب الأطوار دائماً ، المغلوب على أمره دائماً ، الباحث عن ملجأ دائم .. تستطيعين الآن بعد ثلاثين سنة ، أن تطمئني لشيء واحد هو أنني سأظل أعود ، فقد كتب علي كما يبدو أن أظل مهزوماً في أعماقي ، إن الشيء الذي انكسر فيّ حين كنت في العاشرة لم يلتئم، وقد ظللت دائماً أوفى الناس لشيء اسمه التعاسة وسوء الحظ . وها أنذاأعود مرة أخرى لك ، ربما لأنك بعيدة عني ولأنك الجزيرة التي لم تعد ليولأنك لا تستطيعين أن تأخذيني معك وفيك ولك .. ما الذي حدث خلال السنين الطويلة الماضية ؟ ما الذي حدث ، بالضبط ، منذ اقتحمت عليك غرفة العمليات ؟ هل تذكرين ؟ يوم رفعت المشرط في وجه المسكين ولسون ، ذلك الاسكتلندي الطيب الذي كان يجد فيّ ما لم أجده أنا نفسي ، إنه يضحك بلا شك حين يذكر القصة . كنت أنا على حق رغم كل شيء ، وقلت له : ليمت الطفل ، ولكن إذا ماتت هي فستموت معها هنا . ورفضت أن أخرج وظللت مثل مجنون فار مثبتاً ظهري إلى الزاوية وأنظر إليك مضرجة بالدم تحت أصابعه الباردة وحين تنفس الصعداء بعد قرن من الرعب أخذت أبكي ، وسقط المشرط من يدي .. ولم أرك إلا بعد أن صار أسامة في الرابعة من عمره .. لماذا أذكّرك الآن بهذا الشيء الذي مضى ؟ ربما لأنني أشعر كم كنت على حق .. إن الإنسان ليس إلا مخترع ملاجئ ، هكذا كان وهكذا هو وهكذا سيظل ، وكل ما عدا ذلك هراء في هراء ، وأقول الآن : كنتُ أحس ملجأي عميقاً داخل تلك الغريزة التي كنتِ تسمينها ، حين كنتُ طفلاً ، النبوة ، وكنت أحس كم كان فقدانه هولاً تساوت فيه إرادة العيش بشفرة المشرط . إنني لا أنسى حدقتي الدكتور ولسون حين كانت تسبح فيهما تلك الكرتان الزرقاوان ، كان رجلاً قادراً على الفهم من فرط ما شاهد الناس يموتون ببساطة ويتركون وراءهم العالم بملاجئ أقل ،وكان يعرف أنكِ ملجأي . وها أنذا أعود يا فائزة مثلما كنت أعود إليك طفلاً شقياً مبللاً بمطر يافا الغزير وتستطيعين بنفس الصوت القديم أن تقولي لي : " كنت تسير تحت المزاريب ، أنا أعرف كم تبلغ بك الشقاوة .. " تحت المزاريب يا فائزة تحت المزاريب .. إنني أعطيك رأسي بعد أكثر من عشرين سنة لتجففيه مرة أخرى رغمأنني أحسه مبتلاً من الداخل ، أعطيك رأسي ، أنا الشقي المسكين ، فلم يتبق ثمة شيء إلا يديك .. وبالضبط لأنهما على بعد ألف ميل. ما الذي حدث منذ ولد أسامة عبر ذلك المخاض الصعب الرهيب ؟ بالنسبة لي ما تزال دفتا الباب الأبيض تروحان وتجيئان متقاطعتين منذ خرجتمنهما .. هل تغير أيما شيء ؟ ما الذي حدث ؟ أي جنون يملأ هذا العالم ؟ هل رأيت الدكتور ولسون مرة أخرى وتحدثتما عن جنوني ؟ هل يعرفني أسامة ؟ هل يسمع عني بين الفينة والأخرى ؟ أما أنا فقد حدث لي ذلك الشيء الذي قلت لي مرة أنه وحده سيحطمني ذات يوم : الحب . لو كنت هنا ، وجلست معنا كما كنت تفعلين منذ زمن ، لنظرت إليّ في لحظة مسترقة وهززت رأسك موافقة . لقد عشت عمري أنتظر أن أرى من رأسك تلك الحركة . حين جلسنا مع جاكلين في بحمدون قبل سبع سنوات انتهزتِ أول فرصة ورفعتِ أمام عيني حاجبيك كأنك تقولين " لا ، ليست هي " وراحت جاكلين وراحت منى ،وراحت كوكب عبر حاجبيك اللذين كانا دائماً يقولان " لا " .. وجاءت هي . قولي لي إنها هي . أخيراً هذا هو الشيء الذي كنت تنتظرينه يا فائزة وراء ظهري ، دون أن أعرف .. هذا هو الشيء الذي وحده يستطيع أن يحطمني . كم كنتِ صادقة وكم كنتُ غبياً .. أتذكرين يوم جئت إليك أقول إن جاكلين سافرت ؟ قلت لي على مائدة الفطور : إن شراستك كلها إنما هي لإخفاء قلب هش ، لا حدود لهشاشته ، ذات يوم ستصل أصابع امرأة ما إليه وستطحنه .. وإذ تجيء يومها إليّ سأفهمك وحدي ! ها أنذا أجيء فكافئيني بأن تفهميني ، ليس بوسعك أن تنصحي أحداً ، إنني أتمزق وليس بوسعك أن تجدي ، بعد ، أذناً واحدة في هذا الجسد الذي كان له آذان ، إننا نجيء دائماً متأخرين . متأخرين . متأخرين . أفهمتِ كل شيء الآن يا فائزة ؟ متأخرين . أقف الآن على هذا المرتفع في حياتي وأنظر إليها قاحلة مليئة بالشوك والتوحد وتمتد في برودة الماضي وبرودة المستقبل دونما نهاية .. ويبدو أنني أحاول أن أستبدل الوطن بالمرأة ، أعرفت في عمرك كله ما هو أبشع من هذه الصفقة وأكثر منها استحالة ؟ ولكن هذا ما يحدث ، وأستطيع أن أكشفه بوضوح الآن كأن كل ما حدث لم يكن إلا اقتياداً أعمى إلى هذه النهاية . لقد حاولت منذ البدء أن أستبدل الوطن بالعمل ، ثم بالعائلة ، ثم بالكلمة ، ثم بالعنف، ثم بالمرأة ، وكان دائماً يعوزني الانتساب الحقيقي ، ذلك الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح : " لك شيء في هذا العالم فقم " أعرفته ؟وكان الاحتيال يتهاوى ، فقد كنت أريد أرضاً ثابتة أقف فوقها ، ونحن نستطيعأن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا ، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء ، والآن : كنت أمشي على رقع الجليد تلك ،وليس كل ما كتبته وكل ما قلته في حياتي كلها إلا صوت تهشمها تحت الخطوات الطريدة . مرة أخرى ، ما الذي حدث ، ؟ تزوجت فجأة ، أنت لا تعرفين لماذا بالطبع وقد فجأك الخبر مثلما فجأ والدي ، ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئاً ، لم يكن يستطيع أن يحرمني من ثروته بعد أن حرم منها رغم أنفه ، ولم يكن يستطيع أن يمنعني من ولوج بيته بعد أن امتنعت من تلقاء نفسي ولم يكن ليستطيع استنزال غضب السماء عليّ فلديّ من غضبها ما يفيض عن حاجة رجل واحد .. ولم يكن هوأيضاً يعرف لماذا وكيف ، ولكنني كنت أعرف ، كنت أمارس تلك الفضيلة البشريةالوحيدة : كنت أخترع ملجأ . لقد جاءت آني حين كنت قد شرعت ، مختاراً ومرغماً ، في الانزلاق على هضبةالوحل المغرية والجذابة ، وفي ذات الصباح الذي قررت في مسائه أن أتزوجها كنت على وشك الاتفاق مع امرأة نصف ثرية نصف جميلة ونصف تحبني ونصف شابةعلى أن نعيش معاً . كانت تلك المرأة نصف الطريق إلى السقوط وأردت أن أجعلها محطتي كي أقبل الرحلة كلها فيما بعد إلى قرار القاع السحيق والمنسيّ . وجاءت آني ذلك اليوم مثلما تجيء رسالة البشرى من مكان قصيّ مجهول فجعلتها ملجأي للفرار في واحدة من ومضات النبوّة التي تبرق في ضميركل إنسان على ظهر هذه الأرض . أقول لك الآن : كانت فراراً . كانت يا فائزة بعيدة عني في كل شيء . واحتجت إلى خمس سنوات كبيرة أظل مشغولاً خلالها في ردم الهوة المفتوحة بيننا ، وارتكبت مرة أخرى خطأ الاحتيال : فحين عجزت عن ردمها كما ينبغي ردمتها بطفلين. ولكنني رغم كل شيء ظللت مخلصاً للقيم التي أحترمها والتي أورثني إياها إقطاع جدي المؤمن بالفضائل حين خسر أراضيه ولكنه أصر على كسب أخلاقه ،وكنت أعرف في أعماقي أن الشراع المطوي في أعماقي سيمتلئ برياح الغربة من جديد ولكنني ظللت صامداً ، وبقسوة السكين تخليت عن حياتي السابقة في سبيلها ، كانت وما تزال امرأة رائعة ، ربما الشيء الوحيد في هذا الكون الذي أستطيع برضى لا حدود له ، أن أقدم لها حياتي إذا ما تعرضت لخطرالغياب . أقول لك ذلك الآن رغم أنك سألتني ذات يوم وكنا وحدنا : هل أنت سعيد معها ؟فقلت لك حاسماً وصادقاً : لا . إن الحب شيء وعلاقتي بها شيء آخر ، وهيتعرف . ثم جاءت غادة. جاءت ؟ لا ، إن الكلمة الأصح هي : عادت . لقد كانت موجودة دائماً فيأعماقي . أنا لا أتحدث عن الفترة التي كنت أراها فيها عابرة في ممرات الجامعة قبل عشر سنوات ، لا . إنني أتحدث عن وجود أكثر تعقيداً من ذلك وأكثر عمقاً . ماذا أقول لك وكيف أشرح لك الأمور؟ دعيني أقول لك كيف : أمس كنت أذوّب شمعة فوق زجاجة ، أتلهى بهذه اللعبة التي يكوّن فيها الإنسان شيئاً فوضوياً وغامضاً من زجاجة وقضيب شمع ، وكان ذوب الشمع قد كسى جسدالزجاجة بأكمله تقريباً ، وفجأة سقطت نقطة من الشمع الذائب دون إرادة مني وتدحرجت بجنون فوق تلال الشمع المتجمد على سطح الزجاجة واستقرت في ثغرة لم أكن قد لاحظتها من قبل وتجمدت هناك فجعلت ثوب الشمع بأكمله يتماسك منتلقائه. هذا ما حدث ، ولست أجد أي وصف آخر له . ومنذ قابلتها أول مرة عرفت في أعماقي كل الذي سيحدث ، على الأقل من جهتي . ورغم ذلك فقد كنت مثل الذي يدخل إلى حقل من الرمال المتحركة لا يعرف فيما إذا كان عليه أن يعود أو أن يقطع الطريق إلى الأمام . عمري الآن سبعة شهور ، ولن تصدقي كم تغيّرت . أنا نفسي لم أصدق ولا أصدق ،ويبدو أن هناك رجال لا يمكن قتلهم إلا من الداخل. لقد عذبها الكثيرون في حياتها وهي وحيدة ولا تستطيع أن تردم الهوة بينها وبين العالم إلا بالرجال ، ( في الواقع لا أؤمن بهذا . وقد قاله لي هاتف مجهول قبل أسبوع ) ألم أردمها أنا بطفلين! لنحاول كرة أخرى : إنها تحبني وتخشى إذا ما اندفعت نحوي أن أتركها مثلما يحدث في جميع العلاقات السخيفة بين الناس ، وتخشى إذا ما ذهبت في علاقتنا إلى مداها الطبيعي أن نخسر بعضنا . ولكن يا فائزة هذا كلام كتب وأطباء ومدرسي حساب وليس عواطف امرأة أمام رجل يحبها وتحبه .. لنحاول مرة ثالثة : إنها تحبني إلى حد لا تريد فيه أن تقوّض حياتي . ولكن من الذي قال لها أن هروبها لن يفعل ؟ يا فائزة . إنني أثق بذكائها ، ربما أكثر مما ينبغي . وأفسر كلامها مثلما يفعل الباحث في المختبر . يخيل لي أحياناً أنها أمام الناس تحاول إذلالي . إن ذلك لا يغضبني ( نعم فقد وصلت إلى هذا الحد ! ) ولكن لماذا ؟ ما الذي يدفع إنساناً ما إلى تمزيق إنسان آخر يحبه بهذه القوة ؟ أمس قالت لي أمام صديق : إن أي رجل في هذا العالم لن يدخل بيتي إلا هو ، لأنه أخ ( وكانت تتحدث عن صديقي ) لماذا ؟ ما هو ذلك الشيء الرهيب الذي يدفع امرأة بأن تقول هذا الكلام للرجل الذي تحبه أمام صديقه ؟ لست أدري يا فائزة . ولكنني ليل نهار ، لحظة وراء الأخرى ، أفكر في ذلك كله وأعيش وأتعذب فيه ومن أجله .. أحياناً أنظر إلى عينيها وأقول لنفسي : ينبغي أن تكره هذه المرأة التي يروق لها إذلالك على هذه الصورة ، ولكنني لا أستطيع . كنت فيما سبق أستطيع أن أصل إلى قرار في لحظة حين أقول هذا الكلام لنفسي .. أما الآن فأنتِ لن تدركين تعاستي ! إن الدنيا عجيبة ، وكذلك الأقدار . إن يداً وحشية قد خلطت الأشياء في السماء خلطاً رهيباً فجعلت نهايات الأمور بداياتها والبدايات نهايات .. ولكن قولي لي : ماذا يستحق أن نخسره في هذه الحياة العابرة ؟ تدركين ما أعني . إننا في نهاية المطاف سنموت . وأنا لم أكتب لك ذلك كله لأطلب نصيحة ، أستطيع الآن أن ألقي محاضرة حول هذا الموضوع .. ولست أدعي أنني أعرف كيف ستنتهي الأمور ، ولكنني ذات يوم سأكون قادراً على أن أقول لنفسي وأنا أودعها أمام باب بيتها دون أن تتيحلي لحظة الاقتراب منها : " لقد ماتت " . وعندها سأبكي ، وقد أرتكب حماقة ،وقد أنكسر لشهر أو شهرين ، وسيظل قلبي يقرع كلما أقرأ عنها أو أراها أوأسمع أخبارها مثلما يقرع قلب المرء حين يصادف شبحاً ، وأقول لك ما هو أبشع : قد أنزلق وأتحطم ولكنني أبداً أبداً لن أقبل أن أكون صديقاً لها ، أرى بعينيّ المكسورتين رجلاً يثبت أنه يحبها وتحبه . فلن أتحمل هذا الهراء . إنني ــ كما قلت لك مرة ــ أفضل الموت عن الأسر . إن أحداً لا يستطيع أني حبها كما فعلت ، وعلى الأقل من أجل الحقيقة فسأرفض دائماً أن أقبل الزيف . .. الأيام تدور أيتها العزيزة ، تدور وتدور مثلما تدور رأسي الآن ، وتحت غبارها التافه يأمل الإنسان أن ينسى . أتذكرين يوم روى لنا والدي المسكين كيف حشا جرح صديقه بغبار العنكبوت جمعه من ثقوب سور عكا ؟ قال لنا يومها أن الغبار أوقف النزيف .. يا لله كم كان يقرأ الغيب ! ربما تسمعين ذات يوم أنني كففت عن حبها ، أقول لك الآن : لا تصدقي . إنني أحبها بطريقة لا يمكن أن تذوي ، كتبت لها ما لم أكتبه في حياتي ومعها ومن أجلها تحدّيت العالم والناس ونفسي وتفوقت عليهم جميعاً . إن حباً من هذاالمستوى لا تقبله المرأة ولكنه مع الأسف يستطيع رجل ما أن يحمله وهو يعرف هذه الحقيقة . لا فرار ولا ملجأ هذه المرة فلنأمل بمفعول الغبار . أنت تسألين : ما الذي تريده إذن ؟ وأنا لا أعرف . أعرف فقط أنني أريدها . أنا لا أستطيع أن أفهم كيف ترفض المرأة رجلاً تحبه . إن علاقتهما ، إلى أبعد مدى ، تضحي حاجة ، وإذا كنت أنا قادراً على اتخاذ قرار رهيب من النوع الذي اتخذته منذ شهرين فكيف تريدين أن أفسر الأمور ؟ صحيح أن الجنس ليس أولاً ولكنه موجود .. أوه يا عزيزتي ! ليس من السهل بالنسبة لي أن أبني معها علاقة جنسية حتى لو أتيحت لي الفرصة لذلك ، أذكر .................................................. ... .................................................. ................................................. إذن ماذا أريد ؟ لا أعرف أيتها العزيزة لا أعرف .. إن الحياة معقدة أكثر مما ينبغي لأناس سيعيشون أربعين سنة على الأكثر ، والذي أشعره الآن أننا نضيع حياتنا هباء .. إن رجولتي لم تذل في حياتها مثلما تذل في كل ليلة أقول لها فيها : نوماً هانئاً .. ثم أدير ظهري وأمضي كأنني قطعة خشب لا يسكنها عصب ، وينزف جرح تلك الرجولة المهدورة حين أسمع وراء ظهريا صطفاق الباب : إن الأمر لا يعنيها . ماذا أفعل ؟ حاولي أن تقولي لي رغم أنني لن أطيع ، ولكن عسى ذلك يساعد في الوصول إلى شيء .. إننا تافهون حين يضحي القرار متعلقاً بنا . أحياناً أفكر في الالتحاق بالفدائيين عسى أن أموت شريفاً على الأقل ، أحياناً أفكربالسفر إلى مكان مجهول : أبدل اسمي وأعمل وأعيش إلى أن أموت بهدوء مجهول .. أحياناً أفكر في اقتحام بيتها والبقاء فيه .. ولكن ذلك كله – أسألك – ماذا يجدي ؟ أتحسبين أنني أفتش عن فرار من نفسي ؟ لا.. منها ؟ لا.. إذن ماذا أريد ؟ إنني أريدها . ولكن كيف ؟ كيف ؟ أين هي البلاطة السحرية فيهذا الكون التي نستطيع أن نضع أقدامنا فوقها معاً ؟ إن الشيء الوحيد الذي أردته في حياتي لا أستطيع الحصول عليه . لقد تبيّن لي أن حياتي جميعها كانت سلسلة من الرفض ولذلك استطعت أن أعيش . لقد رفضت المدرسة ، ورفضت العائلة . ورفضت الثروة ، ورفضت الخضوع ، ورفضت القبول بالأشياء ، ولكنني أبداً لم أرد شيئاً محدداً ، وحين أريدها تفر من أصابعي ( وأصابع القدر والأشياء والعالم ، أنا أفهم ذلك ) مثلما يفر الماء من الغربال ! إنني أفكر بالنسبة لها كما يلي : معركتنا خاسرة ، إذن فلنعمل على ربحها إلى أن تجيء اللحظة . الزمن ضدنا فلنستعمله طالما هو معنا . اللقاء مستحيل فلنتلاق حين يكون ذلك ممكناً . سنخسر كل شيء فلنربح الزمن كي لا نندم . البكاء قادم . أنا أعرف أنها تحبني ، لا ليس كما أحبها ، ولكنها تحبني . إنها تردد دائماً أنها ضدي إذا شيّأتها ولكنها لا تكف عن تشييئي دون وعي منها . إنها تهرب مني في وقت لا أكف فيه عن الاندفاع نحوها . إنها – رغم كل ما تقوله – تفضل التفاهة والمشاعر التي تمر على السطح ، وأنا أعرف أن الحياة قد خدشتها بما فيه الكفاية لترفض مزيداً من الأخداش ولكن لماذا يتعيّن علي أنا أن أدفع الثمن ؟ إنها امرأة جميلة – وتستطيعين رؤية ذلك في صورها – ولكنها أجمل في الواقع من صورها ، وقد يكون دورها في إتعاسي وهزيمتي أنها مشتهاة بطريقة لا يمكن صدها وهو أمر لا حيلة لها به ولكنني أيضاً لا حيلة لي به ، وهي ذكية وحساسة وتفهمني وهذا يشدني إليها بقدر ما يبعدها عني ،فهي تعي أكثر مني ربما طبيعة الرمال المتحركة التي غرقنا فيها دون وعي منا . أقول لك باختصار أنها جبانة ، تريد أن تكون نصف الأشياء ، لا تريدني ولاتريد غيابي ، وفي اللحظة التي وصلت فيها أنا إلى انتساب كامل لما كنت أبحث عنه كل حياتي تقف هي في منتصف الميدان. إنني أدفع معها ثمن تفاهة الآخرين .. أمس صعقتني ، مثلاً ، حين قلت لها أنني أرغب في رؤيتها فصاحت : أتحسبني بنت شارع ؟ كانت ترد على غيري ، وكنت أعرف ذلك ولكن ما هو ذنبي أنا ؟ إنني أتمزق مثلما لم يحدث لي في حياتي أبداً ، لا شيء كان قادراً على هزي بلا هوادة أكثر من هذه المرأة ، إنني أحبها وأشتهيها .. وفي سبيل ذلك ارتكبت حماقة أخرى لا يد لي بها : يا فائزة ، ليس لديّ أية علاقة جنسية معأي كان .. هل تفهمين ؟ إنني رجل مأساتي هي في ذلك التوافق غير البشري بين جسدي وعقلي ، هكذا قال لي الدكتور ولسون يوماً : ولذلك أنت مريض بالسكّر يا صغيري ! ولكن حذار أن تحسبي أن هذه هي المشكلة . لا .. إنني لست صغيراً إلى هذاالحد ولم يعد الجنس بالنسبة لي نهاية الكون . ما هي مشكلتي إذن ؟ لا أعرف، ولكنني أريدها . هذا شيء مستحيل كما قد تقولين ، وأنا أعرف ولكن هذه هي القصة . دعينا نحاول اكتشاف الأمور ببساطة : لنقل أنها امرأة يلذ لها تعذيبي فلنسعد الآن ،الفراق لا بد منه فلنتلاق بانتظار أن يأتي . أو فلنبتر كل شيء الآن . هذه اللحظة ، في جرح نظيف ونبيل ونهائي . ولكن في الوسط ؟ في الوسط يا فائزة التي تعرفين أنني لا أستطيعه ، يالتعاسة أخيك المغلوب على أمره .. إن سيزيف نسي قضيته ضحية العادة . أماأنا فثمة صخرة واحدة ، أحملها مرة واحدة ، وأعود بها مرة واحدة ! وكيف حال أسامة ؟ علميه أن الزيف هو جواز المرور الأكثر حسماً ، وأن الدنيا هراء يكسب فيها من ينزلق على سطحها ، لا تروي له أبداً أبداً قصة خاله الذي أراد ذات يوم أن يصنع الحياة بمشرط جارح .. إن الحياة أقل تعقيداً وينبغي أن تكون أكثر بساطة . إن الحياة مثل هضبة الجليد لا يستطيع أن يسير عليها من أراد أن يغرس نفسه فيها . الانزلاق هو الحل وهو الاحتيال الأمثل .. علميه أن لا ينتظر ثلاثين سنة ليرتكب أخطاء خاله التعيس ، وأن لا يتوقع شيئاً . لا تكتبي لي جواباً . لا تكترثي ، لا تقولي لي شيئاً . إنني أعود إليك مثلما يعود اليتيم إلى ملجأه الوحيد ، وسأظل أعود : أعطيك رأسي المبتل لتجففيه بعد أن اختار الشقي أن يسير تحت المزاريب !
| |||||||||
|
| | رقم المشاركة : 24 | |||||||||
| 28/12/1966 الشمس ستشرق بعد قليل ، ولتوي تلقيت هاتفاً منها .. كنت أنتظرها طوال الليل وكنت أعرف أنني لو أردت أن أجدها لوجدتها ولكنني كأنما دون إرادة مني كنت أريد أن أرى مدى اهتمامها هي . لا خبر ، لا إشارة . لا شيء . قالتلي في الصباح أنها ستأوي إلى فراشها في العاشرة ولذلك " اذهب لبيتك باكراًاليوم " .. ولكن حتى منتصف الليل لم تكن هناك ، ولا في الواحدة ، ولا في الثانية ، ولا في الثالثة .. ثم هتفت لها فأبلغتني أنها كانت تشرب نبيذاً، وأنها كانت تسهر مع صديق .. وسألتني : لماذا تأخرت ؟ كانت تحسب أنني أحدثها من البيت ولكنني لم أكن هناك . كنت على بعد صرخة واحدة منها . كنت سألت في البيت عما إذا كان أحد قد هتف فقيل لي أن جرس الهاتف دق مرة أو مرتين دون جواب فهتفت لها ، وهذا – يا فائزة ــ ما كانت تريد أن تقوله ! هل تتصورين ؟ كانت تجهد لتنال أذني كي تصب فيهما اللعنة .. ترى ما الذي يذّكر هذه الإنسانة بي ، إلا الذل ؟ ما الذي حدث هذه الليلة ؟ إنني مجنون . هذا شيء حقيقي : حين كتبت لك الصفحات السابقة كنت ، أيضاً ، على بعد خطوات منها ، في المقهى المجاور وسيارتي إلى جانب سيارتها ، ومثلما حدث وتوقعت لم تكترث ، وذهبت ، وكنت أشرب كأساً مع كل صفحة حتى صار الليل وفتك الكحول بكتفي فلم يعد بوسعي أن أحرك ذراعي وقدت السيارة في المطر والغبش والذهول بهدوء لم يكن عندي في حياتي ، وقررت أن لا أرى أحداً .. لم أفكر بالموت ، فكرت بالتعاسة فقط وعرفت أنني سأكون تعيساً إلى أمد طويل . إنني أحبها وهذا شيء لا أستطيع أن أنكره ولا أن أنساه ولا حتى أن أغفره لنفسي ، وحين لمست أصابعي جسدها ذات ليلة راودني شعور مخيف ، أخافني حقاً ، بأنني لم ألمس امرأة من قبل . وها أنذا مكسور ومطعون وبعيد عن كل شيء ، غداً لن يكون يوماً آخر .. وأنا أعرف أنني أحتاج أن أكون وحيداً تماماً ربما ثلاثة شهور، أظل أكتب في هذه الأوراق لك ، يوماً بعد الآخر، لتري بعينيك قصة رجل ينتهي ، أو يبدأ ، أوينزلق ، أو يغترب ، أو يموت بالصدفة بعد ذلك كله . وما الذي بقي لأفعله أيتها العزيزة ؟ ما الذي بقي ؟ بعد قليل سأشرب قهوةأخرى ، وأحتاج لكأس حليب كي يظل صدري قادراً على التنفس .. وسأمشي ،ولكنني لن أرى أحداً .. وسأضع نفسي في مكان أبعد وأنأى من أن أسمع فيه صوتها وأكثر انخفاضاً من أن يتيح لي رؤيتها أو التحدث إليها. أجلس الآن في الشمس وأكتب . مررت من أمام بيتها عشر مرات ورأيت سيارتها ووقفت على حاجز الروشة أتفرج على الناس والأطفال والموج وأنا أكاد أغفوعلى الحاجز . لأول مرة منذ سنوات نسيت الإبرة اللعينة ونسيت الطعام .. تراها سألت عني ؟ ذلك لن يكون إلا إذا كانت تريد أن تراني معذباً ، أوتريد أن تنصحني تلك النصيحة التافهة : اذهب إلى بيتك باكراً .. أو تقول لي : لماذا تغار ؟ بعيدة عن الحقيقة بعيدة بعيدة .. ستجد ألف عذر لترضي هذاالطفل القنوع الغبي ، وكالعادة لن يكون بوسعي أن أقول لها : لا ، وأمس ليلاً ماذا حدث ؟ ماذا يمكن أن يكون قد حدث غير أنها كانت فخورة بأنها قادرة على الخروج مع شاب آخر ، أو مع نفسها ، وأنا أنتظر ؟ وما الذي أريده .. ما الذي أريده من كل شيء يا فائزة ؟ ما الذي يريده هذا الطفل المدلل الضائع الغبي الذي تحول إلى كرة متشابكة من الأعصاب والجروح . غسان | وراحت جاكلين وراحت منى وراحت كوكب : أتمنى على جاكلين ومنى وكوكب عدم تمزيق رسائل غسان إن كتب لهن ذات يوم لأن تلك السطور لم تعد رسائل شخصية تخص تاريخهن بل تخص تاريخ الأدب قابلتها أول مرة : التقينا للمرة الأولى في جامعة دمشق أمام باب قاعةالامتحانات الشفهي ولم أكن قد سمعت به أديباً يومئذٍ . بعد أيام الجامعةلم نلتق فترة أربعة أعوام حتى التقينا مصادفة في جريدة المحرر ببيروت ،وكان غسان مصراً على إلغاء تلك الأعوام من حياته وحياتي ...... .................................................. .......................... : هذا السطر المشطوب ألغاه غسان بنفسه ، وكانت الرسالة هكذا عندما استلمتها ، وحاولت كثيراً قراءته وفشلت
| |||||||||
|
| | رقم المشاركة : 25 | |||||||||
| هاهنا نكون قد انهينا المشوار فيما يلي سيتم عرض بعض التعليقات على الرسائل
| |||||||||
|
| | رقم المشاركة : 26 | |||||||||
| رسائل غسان كنفاني التي تنشرها غادة السمان ، هل ستكون فاتحة عهد جديد في كشف أوراق العرب الراحلين وأسرارهم ، وهل ستكون هنالك نساء أخريات في جرأة غادة السمان ؟ مجلة ألف باء قد يكون مبعث اعتزاز غادة السمان برسائل كنفاني ليس مقدار العاطفة التيتبادلاها بل وأيضاً أنه كان كاتباً وكان وطنياً قتله العدو بسبب وطنيتهوحبه لشعبه . بقي أن أقول أنه لا فن إن لم يكن الفنان حقيقياً وأصيلاً ، والفن ينتهي بلا شك عندما يبدأ الفنان بمراعاة هذا الأمر هذا الأمر أو ذاك ، وعندما تصبح الدنيا اجتماعيات ومبادئ حساب . جهاد فاضل هذه الرسائل وثائق هامة عن إبداع واحد من أدبائنا البارزين . ونشرها خطوةشجاعة من كاتبة عودتنا على المواقف الشجاعة في الكتابة والحياة . وكمأتمنى لو تحذو حذوها أديبات أخريات ، وأكاد أجزم أن هذا النوع من الرسائلموجود لكنه مخبأ أو أتلف كما حصل مع جزء كبير من رسائل الياس أبو شبكة إلىحبيبته ليلى. عبد الرحمن مجيد الربيعي كان غسان كنفاني طوفاناً يجتاح كل ما غيره وكان يحب غادة . كان لا يعرف رجلاً غيرهُ ولا فناناً سواه ولا سياسياً مثله ولا رساماً بمثل موهبته .. ولا شاعراً ولا كاتب قصص بوليسية ! كان العالم يبدأ بقميصه الفضفاض وينتهي بصندله العتيق ! وكان عظيماً ويحب غادة .. يوسف إدريس هو من نفس فصيلة هؤلاء الفنانين الذين يعيشون جنون الفن وعقله ــواقعياً ــقبل أن يكتبوه ! وهو أيضاً : يحب غادة .. هل القدر أن يحب المهووسون فناً بعضهم البعض ؟ ليلى الحر إذا كانت كل كاتبة عربية تملك جرأة غادة السمان في نشر ما كتب لهن منرسائل من كتاب وشعراء وفنانين .. فإننا سوف نملك شاشة جديدة في أدبناالمعاصر ما زالت خفية وسوداء . إن إقدام غادة السمان على نشر رسائل غسانكنفاني لها خطوة رائدة وعظيمة , وكسر جليد تختبئ خلفه مئات الرسائل التي ترينا الوجه الآخر لمعظم كتابنا لو أفرج عنها من داخل صناديق الخوف . ياسين رفاعية
| |||||||||
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| أحمل عاري إلى لندن (الجسد حقيبة سفر) - غادة السمان | al JureeShe | زَادُ العُقُولِ | 6 | 05-01-2009 12:59 AM |
| دعونا نوجة رسائل معايدة ومباركة لكل من يعز علينا .. | بيلسان | قدها .. تتحدا؟ | 1 | 05-12-2008 02:52 AM |
| غسان كنفاني.. فلسطين ومأساة الكائن | سمارة | القسم السياسي | 8 | 08-07-2008 08:49 AM |
| Xx ضرب الأخ لأختو .... عادة ولا ضرورة Xx | A7la Angel | الرأي .. والرأي الأخر | 21 | 20-03-2008 01:41 PM |
| يا غايب ليه ما تسأل | HINO08 | ملتقى الفصول الأربعة | 87 | 20-02-2008 02:18 PM |
[ المشاركات والمواضيع في الملتقيات لا تعبر عن وجهة نظر الموقع انما تعبر عن كاتبها ]